يوسف بن سليمان الشنتمري ( الأعلم الشنتمري )
240
أشعار الشعراء الستة الجاهليين
وكان الجاحظ هو السابق إلى إقامة نقد الشعر على أسس فنيّة خالصة ، وحارب هذا التعصّب الممقوت للقديم لقدمه ، وآراؤه في ذلك كثيرة في « التبيان والتبيين » و « الحيوان » وسواهما ، ففي « الحيوان » ينكر الجاحظ على المتعصبين للقديم فعلهم ويقول : ولو كان لهم بصر لعرفوا الجيد ممّن كان وفي أيّ زمان كان . وفي القرن الثالث أيضا كثرت مؤلفات النقّاد في الشعر والشعراء ، وكتب ابن سلام « طبقات الشعر » مشهور ، وهو أول عمل أدبي منظم في النقد ، وقد قسم الجاهليين عشر طبقات ، وأضاف إليهم شعراء المراثي وشعراء المدن العربية ، ووضع في الطبقة الأولى امرأ القيس وزهيرا والأعشى والنابغة ؛ ولم يسبقه إلى هذا التقسيم الفني للشعراء الجاهليين وطبقاتهم الأدبية إلا أبو عبيدة الذي قسم الجاهليين ثلاث طبقات ، ووضع في الأولى امرأ القيس والنابغة وزهيرا ، وفي الثانية الأعشى وطرفة ولبيدا . ويذكر ابن سلام في طبقاته الشعراء الإسلاميين كذلك ويقسمهم طبقات عشرا أيضا ولا يذكر أحدا من الشعراء المحدثين ، بعكس ابن قتيبة الذي ألّف كتابه « الشعر والشعراء » وذكر فيه الكثير من الشعراء المحدثين الذين عاشوا قبيل منتصف القرن الثالث وهذا يدلّ على أن ابن قتيبة كان أكثر تقديرا للشعر الجيد وحده بصرف النظر عن قائله وزمنه . وهذا يذكّرنا بجمع المفضل وأبي زيد الأنصاري للشعر العربي ؛ فقد جمع المفضل في كتابه مختارات للشعراء الجاهليين وللقليلين جدّا من الشعراء المخضرمين . أما أبو زيد الأنصاري ففي كتابه الجمهرة مختارات للجاهليين والمخضرمين والإسلاميين . . . ثم ألّف ابن المعتزّ أيضا كتابا في طبقات الشعراء المحدثين طبع في أوروبا ويسير فيه على نهج ابن قتيبة ، من حيث ذكر الشاعر وحياته ومذهبه الفني في شعره ونماذج من مختارات شعره ، وأول ترجمة له في الكتاب هي ترجمة بشار م 167 ه وأقصى شاعر ترجم له ابن المعين هو : الناشئ م 293 ه ومحمد الشيرازي الذي يقول فيه المؤلف : وهو اليوم شاعر زماننا . وجميع التراجم التي يحتوي عليها الكتاب والتي تبلغ أكثر من 130 ترجمة هي لشعراء عاشوا بين هذين التاريخين ، وهو أوفى كتاب في دراسة طبقة بشار وطبقة أبي نواس وطبقة أبي تمام والبحتري . أما القرن الرابع الهجري فقد كان أحفل قرن بالنقد والنقّاد ؛ وظهرت فيه أصول كتب النقد الأدبي مثل : نقد الشعر لقدامة م 337 ه وأخبار أبي تمام الصولي م 336 ه والموازنة للآمدي م 371 ه ، وإعجاز القرآن للباقلاني م 405 ه ، والوساطة للجرجاني م 392 ه . . . كما ظهر في القرن الخامس ابن رشيق م 456 ه